عبد الفتاح اسماعيل شلبي
366
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
ابن جنى وسيبويه ومما يتفق فيه مع شيخه أنه استعان بشواهد سيبويه في توثيق القراءات التي احتج لها في كتابه المحتسب ، وجاءت استعانته بهذه الشواهد دليلا على تفهم الكتاب وما يدل عليه شواهده ، ومقايسة هذه الشواهد بما ورد في القراءات من أوجه إعرابية ، واعتبار هذه بتلك ، وتفصيله الكلام في هذه الشواهد بما يعد شرحا لها وتعليقا عليها « 1 » . اقرأ مثلا احتجاجه لقراءة « أفحكم الجاهلية يبغون » بالياء ورفع الميم « 2 » ، وقد خطأ هذه القراءة ابن مجاهد ، وأنكرها الأعرج جملة « 3 » . وعلق ابن جنى على تخطئة ابن مجاهد بما مضمونه : هذه القراءة وجه ، غيره أقوى منه ، وهو جائز في الشعر قال أبو النجم : قد أصبحت أم الخيار تدعى * على ذنبا ، كله لم أصنع أي لم أصنعه ، فحذف الهاء ثم ، ولو نصب فقال كله لم ينكر الوزن ، فهذا يؤنسك بأنه ليس للضرورة مطلقة بل لأن له وجها من القياس ، وهو تشبيه عائد الخبر بعائد الحال أو الصفة ؛ وهو إلى الحال أقرب ؛ لأنه ضرب من الخبر ، فالصفة كقولهم : الناس رجلان : رجل أكرمت ، ورجل أهنت ، أي أكرمته وأهنته . والحال كقولهم : مررت بهند يضرب زيد ، أي يضربها زيد فحذف عائد الخبر ، وهو في الصفة أمثل لشبه الصفة بالصلة في نحو قولهم : « أكرمت الذي أهنت أي أهنته » « ومررت بالتي لقيت أي لقيتها » فغير بعيد أن يكون قوله : « أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ » يراد به يبغونه ثم يحذف الضمير ، وهذا وإن كانت فيه صنعة فإنه ليس بخطإ « 4 » . واعتبر ما قاله ابن جنى هنا بما ذكره سيبويه في الكتاب - تر أن ابن جنى أضفى على عبارة سيبويه وضوحا ، وزادها بيانا ، وذيلها تعليقا ، وقايس ما أورد سيبويه بما قرأ يحيى ، وإبراهيم السلمى ، « أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ « 5 » ، واحتج لهذا الوجه من القراءة بما يدل على حضور الذهن ، وإفادة من الكتاب ، واتكاء عليه ، واعتداد به « 6 » . ثم اقرأ النص الآتي تجد طرفا آخر لابن جنى في موقفه من سيبويه :
--> ( 1 ) 1 / 253 . ( 2 ) انظر المصدر السابق . ( 3 ) المحتسب 1 / 253 . ( 4 ) 1 / 44 وما بعدها . ( 5 ) المحتسب 1 / 253 . ( 6 ) وانظر مثلا آخر لذلك في احتجاجه لرواية الحلواني عن قالون عن شيبة أو آوى إلى ركن شديد ( المحتسب 1 / 406 - 407 ) .